حسن الأمين
220
مستدركات أعيان الشيعة
مسودة لم يخرج أكثرها إلى البياض . ( 1 ) شمس الدين محمد المعروف بحافظ الشيرازي . مرت ترجمته في الصفحة 356 من المجلد التاسع ، ونزيد عليها هنا ما يلي : قال آرثر آربري ، والترجمة للدكتور سامي مكارم : عندما ولد حافظ ، وهو باتفاق الجميع أعظم شعراء الفرس ، كان إقليم فارس ينعم باستقلال حقيقي تحت حكم شرف الدين محمود شاه . وكان الايلخان أولجايتو في الأصل قد عين محمود شاه مديرا لشؤون الممتلكات الملكية ( اينجو ) في تلك الأنحاء ، وفي عهد أبي سعيد ، خليفة أولجايتو ، أصاب محمود شاه المزيد من النجاح ، فما بلغ سنة 1325 حتى أصبح لا ينازعه منازع الا عصابات اللصوص التي كانت تعيث بالجبال فسادا وتجتاح من وقت لآخر السهول . نزح والد حافظ ، على ما يقال ، من أصفهان إلى شيراز ، عندما كان الأتابكة لا يزالون في أوجهم ، فاشتغل بالتجارة وأصاب قسطا من النجاح ولكنه في أواخر حياته أخذ بإهمال اعماله . فلما مات خلف أرملته وولده الصغير في ضائقة مالية . لم يكن حافظ قد بلغ العقد الثاني من عمره عندما لقنه الدهر أول درس في اضطراب الحكم ، هذا إذا كان قد أصبح في تلك السن المبكرة واعيا للأحداث السياسية ، ولا أظنه الا كذلك لكونه فارسيا . ذلك أن أبا سعيد ، في آخر عهده ، تنكر لمحمود شاه وخلعه . أما خليفة أبي سعيد اربا خان فقد احتفل بصعوده على العرش بان أعدم محمود شاه في تبريز ، وكان ذلك سنة 1335 م . وفي السنة التالية سقط اربا ، فابتهج لذلك أبناء محمود ونقلوا جثمان أبيهم إلى شيراز ليرقد بالقرب من عظام ابن خفيف المباركة . كان ذلك هو العمل الوحيد الذي قاموا به مشتركين . فما أن انتهت مراسم الدفن حتى دب بين الإخوة نزاع على من سيعتلي عرش والدهم . بدأ النزاع بان قتل مسعود شاه أكبر الإخوة الأربعة الابن الثاني كيخسرو الذي كان مستأثرا بالعرش أثناء وجود مسعود في المنفي المؤقت ، ثم أمر بحبس الابن الثالث محمد في قلعة سفيد . غير أن محمدا ما لبث أن فر إلى بير حسين الجوباني الذي كان معسكرا بالقرب من تلك الأنحاء ، وهو ينتمي إلى عائلة من الأمراء كان قد قوى شكيمتها غازان خان . فاستطاع بفضل بير حسين هذا أن يطرد مسعودا من شيراز . غير أن انتصاره هذا كان قصير الأمد ، فما لبث بير حسين ان استهواه هذا النصر فقتل محمدا وفكر بالاستئثار بإقليم فارس مما أثار غضب أهالي شيراز فقاتلوه وطردوه ورحبوا بعودة مسعود . وفي العام التالي عاد حسين يعينه على ذلك قريب له يدعى أشرف . ولكن القائدين منيا بالهزيمة ، فانسحب أشرف برجاله وفر حسين إلى ابن عمه الأمير حسن كوجك فباغته هذا الأخير وقتله في الحال . أما أبو إسحاق الابن الأصغر لمحمود شاه ، الذي كان قد ولي أصفهان من قبل حسن كوجك فقد قرر الآن أن يطالب بشيراز . وكان مسعود بعد أن طرد من العاصمة قد طلب من ياغي باستي أن يستعيد له العرش . في هذه الأثناء طلب أبو إسحاق المعونة من أشرف شقيق ياغي باستي . وأخذ ياغي باستي مسعودا إلى أسوار شيراز ولكنه ما لبث أن قتله هناك . وكان ذلك سنة 1343 م . ثم إنه أراد أن يحالف أشرف بغية الاستيلاء على شيراز للجوبانيين ، غير أن أمير هؤلاء حسن كوجك رأى في تلك الأثناء أن ينازع ملك بغداد الجلائري ، حسن بزرگ ، امارة فارس ، فقتل في المعركة بيد زوجه في 15 كانون الأول ( ديسمبر ) سنة 1343 . ثم استحكم الخلاف بين اخوته على من سيخلفه ، فحال ذلك دون إيقاف أبي إسحاق عن التقدم . تلك كانت الحالة العامة المتلونة التي نشا فيها حافظ الفتى . ولكنه استطاع أن يحصل على ثقافة جيدة كان منها ان حفظ القرآن عن ظهر قلب ( فاستحق لذلك لقب الحافظ ) ، وشق طريقه مخاطرا إلى دنيا التأليف . ولكن أشعاره لم تجمع الا بعد موته ، لترتب قوافيها على الأحرف الأبجدية وفقا لما كانت عليه عقلية الجامعين في تلك الأيام وكلفهم بهذا النوع من الترتيب . وهكذا ضاع علينا إيجاد اية وسيلة لتعيين تواريخ هذه الأشعار ، ولم يبق لنا الا الدلائل الداخلية . والدلائل الداخلية تفتح بابا للظن والتخمين ، فهي ليست واضحة كل الوضوح كما انها لا تكفي بمفردها . غير أنه لدينا قطعة ذكر فيها الشاعر اسم مسعود وهذا خواجوي كرماني ( توفي سنة 1352 ) أحد شعراء أبي إسحاق . وكان حافظ يفاخر بأنه يقتدي بشعره . وليس غريبا أن يكون حافظ قد تعرف بخواجوي بواسطة أمين الدين الذي توفي سنة 1344 فأدخله إلى الحلقة الملكية . أما عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ( توفي سنة 1355 ) فقد كان قاضيا ومعلما في شيراز وضع بالعربية كثيرا من الكتب في الفلسفة وعلم الكلام مما جعله في مصاف كبار الثقات في هذين الحقلين ، فكانت كتبه تدرس في مختلف بلاد الإسلام حتى بعد وفاته بمدة طويلة . وقد بلغ كتابه « المواقف » شهرة واسعة ، فوضع عليه كثير من العلماء الشروح وشروح الشروح والتعاليق . ولا شك في أن حافظا حضر دروسه . وأما حاجي قوام فاسمه الكامل حاجي قوام الدين حسن التمغجي . وقد قام بدور كبير في تمكين أبي إسحاق من العرش وكان يبذل ثروته الطائلة بسخاء في تشجيع العلم والأدب . قدم اليه ابن زركوب كتابه « تاريخ شيراز » كما خصه حافظ بثلاث قصائد على الأقل مدحه فيها مباشرة أثناء حياته ، علاوة على مدحه إياه بصورة غير مباشرة في قصائد أخرى كثيرة - كما رثاه سنة 1353 . كذلك نظم حافظ قصيدة بليغة رثي بها مجد الدين إسماعيل وذلك حين توفي سنة 1355 عن أربع وتسعين سنة ، وهذا مطلعها : ان مجد الدين السري وسلطان القضاة إسماعيل الذي كان قلمه الفصيح يسجل خطبا في الشريعة . برهن أبو إسحاق ، الذي تسلم أخيرا العرش بعد محاولات فاشلة عديدة ، على أنه رجل طموح فما استتب له الأمر في شيراز وبقية إقليم فارس حتى أخذ يعمل على توسيع ممتلكاته ( يشجعه على ذلك ما آلت اليه دولة المغول آنذاك من تفسخ ، شانه في ذلك شان الكثير من الأمراء ) ، فضم اليه يزد وكرمان . وقد أدى به ذلك إلى التصادم مع بني المظفر المجاورين . وهي أسرة أسسها شرف الدين مظفر ( توفي سنة 1314 م ) . وكانت تحت امرة أرغون وغازان واولجايتو على التوالي ، كما كانت عاصمتها ميبذ بالقرب من يزد . خلف مظفرا ابنه مبارز الدين محمد ، وكان في ذلك الوقت فتى في الثالثة عشرة من عمره ولكنه ما عتم حتى أصبح حاكما حازما قاسيا ، فاستولى على يزد حوالي سنة 1318 محافظا على امارته الصغيرة ضد الثورات الدموية . وقد أفاد هو أيضا من الفوضى التي نتجت عن موت أبي سعيد فضم اليه كرمان سنة 1340 م . وحاول أبو إسحاق مرتين ان يخلص كرمان من قبضة أميرها الجديد ولكنه في المرتين مني بالفشل . وفي سنة 1350 م حاول استخلاص يزد فصد حالا . يدلنا على أن حافظا نظم بعض أشعاره مرضاة للملك قبل سنة 1343 . ولكن عبقريته تفتحت حقا في عهد أبي إسحاق الذي حكم عشر سنوات . وكان حافظ يتذكر هذه الأوقات وفي قلبه حزن عميق :
--> ( 1 ) الشيخ محمد السمامي .